عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
55
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
دنيا كبيرة [ الصيت والولاية والفتوح ] « 1 » ، فلمّا خطر بباله ذلك ، وإذا برجل قد خرج له من الحائط كأنه البرق الخاطف فقال له : تأدّب يا إبراهيم من هذا الخاطر الذي خطر لك اقرأ قوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [ الزّخرف : 59 ] وعاد إلى الحائط فلم نره . قال : فبقيت أرعد مثل الورقة في يوم ريح شديد ، وخفت خوفا شديدا « 2 » لئلا يسلب حالي ، وما قدرت أتكلم ولا أتنفّس . فبينما أنا كذلك ، وإذا بالشيخ أبي علي سالم داخل عليّ وقال لي : يا شيخ أبا إسحاق ! ما الخاطر الذي خطر لك ؟ وما أوقعك في هذا الأمر ؟ فقلت له : يا سيدي ، المعذرة أنا تائب ! واللّه ما خطر لي على أنني تعرضت عليك ، إلّا أني قلت في نفسي : هذا رجل أعطاه اللّه الدنيا والآخرة ، ولكن هذه دنيا واسعة . فقال له الشيخ : تتعرض على فضل اللّه عزّ وجل يا أبا إسحاق ، وللدنيا عند اللّه قدر ؟ « لو سوت عند اللّه جناح بعوضة ما سقى منها كافرا جرعة ماء » « 3 » ، باللّه إن شاء اللّه يا إبراهيم ، ما عندي الذهب والمدر إلا واحد ، ولا عمرت بها باطني قط ، ومن يوم اعتقدت سيدي أبا هلال ما في قلبي غير اللّه عزّ وجل . وكلّما تراه آلة بين يديّ فنحركها تجيء ، ونصرفها لمن يستحقها ، وما لنا فيها إلا أجر المناولة ، فاللّه يتقبّل منّا ويتجاوز عنا . ثم أخذني سيدي أبو علي سالم وشالني . فمن ذلك اليوم عاد أبو إسحاق الماجوري بين يدي الشيخ أبي علي كالميت بين يدي الغاسل ، وكان أبو علي إسحاق يقول : الشيخ أبو علي سالم جساس القلوب ، اللّه لا يفضحنا معه ، بمنّه وكرمه آمين . ومنها : أنه كان المرابط غريب من بني أحمد ، مقعدا من صغره ، من ركبتيه إلى أسفل ، ما يتحرك أصلا . وكان مجتهدا ، صادق الباطن ، وعلى قدم التجريد ، لم يملك شيئا من الدنيا ، فسار إلى بيت اللّه الحرام بإذنه ، فلما وصل إلى عقبة ، وهي عقبة كبيرة ، وفيها مشقة كبيرة « 4 » ، ما يجوزها الحجاج إلا عن تعب ، وكان راكبا ناقته ، فبينما هو منحدر في العقبة المذكورة إذ سقط [ من على ] « 5 » ناقته فقال :
--> ( 1 ) سقط من : ت . ( 2 ) ت : عظيما . ( 3 ) ورد في هذا حديث أخرجه الترمذي في السنن بلفظ : « لو كانت الدنيا تعدل عند اللّه جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء » من رواية سهل بن سعد . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه . كتاب الزهد ، باب ما جاء في هوان الدنيا على اللّه عزّ وجل حديث ( 2320 ) . للمزيد انظر كشف الخفاء للعجلوني 2 / 207 رقم ( 2107 ) ، والمقاصد الحسنة للسنخاوي ص : 407 رقم ( 897 ) . ( 4 ) سقط من : ت . ( 5 ) في ت : عن .